الشنقيطي
276
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بِهِ ( 16 ) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ( 17 ) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) [ القيامة : 16 - 18 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ [ 103 ] . أقسم جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : أنّه يعلم أنّ الكفار يقولون : إنّ هذا القرآن الّذي جاء به النّبي صلى اللّه عليه وسلم ليس وحيا من اللّه ، وإنّما تعلّمه من بشر من الناس . وأوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع ، كقوله : وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( 5 ) [ الفرقان : 5 ] ، وقوله : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ( 24 ) [ المدثر : 24 ] أي يرويه محمّد صلى اللّه عليه وسلم عن غيره ، وقوله : وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ [ الأنعام : 105 ] الآية . كما تقدم ( في الأنعام ) . وقد اختلف العلماء في تعيين هذا البشر الّذي زعموا أنّه يعلّم النّبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقد صرح القرآن بأنّه أعجميّ اللّسان ؛ فقيل : هو غلام الفاكه بن المغيرة ، واسمه جبر ، وكان نصرانيّا فأسلم . وقيل : اسمه يعيش عبد لبني الحضرميّ ، وكان يقرأ الكتب الأعجمية . وقيل : غلام لبني عامر بن لؤيّ . وقيل : هما غلامان : اسم أحدهما يسار ، واسم الآخر جبر ، وكانا صيقليين يعملان السيّوف ، وكانا يقرآن كتابا لهم . وقيل : كانا يقرآن التّوراة والإنجيل ، إلى غير ذلك من الأقوال . وقد بيّن جلّ وعلا كذبهم وتعنّتهم في قولهم : إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ بقوله : لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ( 103 ) . [ 103 ] . أي كيف يكون تعلمه من ذلك البشر ، مع أن ذلك البشر أعجميّ اللّسان . وهذا القرآن عربيّ مبين فصيح ، لا شائبة فيه من العجمة ؛ فهذا غير معقول . وبيّن شدّة تعنّتهم أيضا بأنّه لو جعل القرآن أعجميا لكذبوه أيضا وقالوا : كيف يكون هذا القرآن أعجميا مع أنّ الرّسول الّذي أنزل عليه عربيّ ؛ وذلك في قوله وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ [ فصلت : 44 ] أي أقرآن أعجميّ ، ورسول عربيّ . فكيف ينكرون أنّ القرآن أعجميّ والرّسول عربيّ ، ولا ينكرون أنّ المعلم المزعوم أعجميّ ؛ مع أنّ القرآن المزعوم تعليمه له عربيّ . كما بيّن تعنّتهم أيضا ، بأنّه لو نزّل هذا القرآن العربي المبين ، على أعجميّ فقرأه عليهم عربيّا لكذبوه أيضا ، مع ذلك الخارق للعادة ؛ لشدّة عنادهم وتعنّتهم ، وذلك في قوله : وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ( 198 ) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ( 199 ) [ الشعراء : 198 - 199 ] . وقوله في هذه الآية الكريمة : يُلْحِدُونَ أي يميلون عن الحقّ . والمعنى لسان البشر